مشاهدة النسخة كاملة : الوعي بالذّات **


دمــوع قـمــر
08-21-2008, 11:42 PM
:6d269559595ced7529c


الوعي بالذّات **


إنّ التّلقي المعلوماتيّ لدى الإنسان يترتب على إيجاد آلة التّلقِّي، وآلات التّلقِّي الإنسانيّ هي (الحواس الخمس).
وممّا لا شكّ فيه، فإنّ الإنسان يرتّب أفعاله الصادرة وفق عملية التّلقِّي هذه، فإذا كان التّلقِّي ضعيفًا كانت الحركة المترتبة عليه ضعيفة وفقًا للمُتلقّى، وكذا العكس بالعكس، ومن هنا يحصل التفاوت بين الأشخاص، وقابلياتهم.
فالله عزّ وجلّ قد أعطى الخلق قابليّة عادلة، لكن المحيط هو الذي يؤثِّر على القنوات المعلوماتيّة للفرد أو المجتمع، كما أنّ صورة العالم في ذهن الإنسان ليست هي العالم بذاته وحذافيره، فما تحتويه أذهاننا من معلومات وخبرات وتصوّرات عن العالم الخارجيّ في كثير من الأحيان تكون ناقصة من جرّاء حجم المعلومات التي تلقّيناها واكتسبناها، بالإضافة إلى أنّ هذه الخارطة الذّهنيّة تختلف من شخص لآخر، ولهذا تتنوّع الآراء، وتختلف وجهات النظر، فلا يوجد شخصان يحملان نفس الخبرة والخارطة عن أيّ جزء من أجزاء العالم الخارجيّ، ذلك لأنّ العقل محدود الحواس.
فالفرد وبحسب الثّقافة التي تلقّاها فإنّه يفرز نتاجها، ولا تقتصر صناعة ثقافة الفرد على العائلة فحسب، بل إنّ للمجتمع أيضًا دوره في تكوين الشخصيّة والهويّة للأفراد والجماعات.
ومن هنا نجد أنّ البعض يجنح وحسب خارطته الذهنيّة المشوّهة إلى طريق الخطايا، ودروب الشوك نتيجة للانفلات العائليّ، أو المجتمعيّ، أو البيئيّ.
ففي زمن الغابة المعرفيّة بات الكثيرون يغوصون في ذلك الامتداد الأخطبوطيّ عن طريق شبكة الانترنت؛ لينفتح على عالم آخر من دون حدود وضوابط لتبدأ خطوات الانفلات ترسّخ أقدامها في نفوس الذين لا ينعمون برقابة ذاتيّة ولا عائليّة ولا بيئيّة.
فكم من فتاة، وكم من فتى راحوا ضحيّة العبث، وتسويل النّفس الأمّارة بالسوء، وكم من عائلة انهدّت قواعدها وأركانها في مهاوي المنزلقات من جرّاء سكرة من سكرات الغفلة والرّقابة، فأودت بها إلى أتون التحطّم والدّمار!
فالتكنولوجيا هي سلاح ذو حدّين: حدّ إيجابيّ، وحدّ سلبيّ!
ولربما يهبّ الذين يدافعون عن التكنولوجيا، فيرفعون عقيرتهم بالقول: التكنولوجيا في خدمة البشريّة لا لتدميرها، وإنّما مَن يعمل على استغلالها نحو إسقاط المجتمعات هم الأولى أنْ يكفّوا عن استخدامها، ويجب الأخذ بتأهيلهم نحو الاستثمار الصحيح لا الاستغلال الواهن.
ومن الممكن أنْ تكون مثل هذه المحاولة بالدّفاع في محلِّها إذ أنّ الكثير من الأجهزة، أو الاختراعات بشتّى ضروبها قد وُجدت من أجل تقدّم المجتمعات ورقيِّها لا من أجل انحدارها وتسافلها، ولكنّ مستعمليها ومقتنيها يعمدون إلى حرف مسار ما صنعت من أجله لا لشيئ إلا لأجل شهوة فانية، ولذّة زائلة متحطّمة على صخرة الواقع أليوم أو غدًا!
فالانترنت – مثلاً- لربّما قد وُجد من أجل ضرورات حضاريّة ملحّة كنقل المعلومات بسرعة فائقة، حيث أصبح العالم من خلاله قرية صغيرة يتعرّف مَن هو في أقصى العالم على مَن هو في أدناه من أجل تلاقح الأفكار ونضجها وتبادلها برقيّ المجتمعات والاستفادة من تجاربها لا أنْ يتّخذ مترفو هذه القرى المتقاربة تكنولوجيًّا، ومَن انعدم فيه الإحساس والرّقيب الذّاتي والبيئيّ مثل هذه التطوّر لعبة، فيشكّل من خلالها شبكة من العلاقات المحرّمة المفسدة، ويعمل على تغذيتها، وتطويرها؛ كي تصل الأمور إلى حدّ لا يبقى لنا معها خيار، فيقع الفأس على الرّأس؛ لنكون بعدئذٍ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ الإسراء:16.
إنّ محاولة تعميق الفكر الشيطانيّ في نفوس اليافعين واليافعات بالعبث والتجرؤ باستغلالهم شبكات الاتصال بشتى أنواعه وألوانه والإيقاع بهم في منزلقات الهاوية معناه جرّ الشارع إلى إعلان العصيان السافر، ومحاولة دنيئة لِرَكب موج الموبقات نهارًا جهارًا؛ كي يصل المجتمع إلى النّقطة الحرجة التي لا مناص منها كما ﴿... جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ العنكبوت:31!
ومن هنا فإنّ العلاقات المحرّمة هتك ودمار: هتك للأعراض، وتمريغ للأنوف في مستنقعات العار والشّنار، ودمار يضرب كلّ مقوِّمات الإنسانيّة؛ ليجعلها في الحضيض المتسافل، وإغراقها في غياهب اللّذة الحيوانيّة التي يأنف كلّ ذي عقل وبصيرة أنْ يمرّ بفضائها فضلاً عن ولوجها.
ولذا يجدر بكلّ فرد حلّق خارج سرب بيئته وحضارته ورافد ثقافته الإسلاميّة الناصع أنْ يرجع إلى ذاته بإيجابيّة؛ ليتفاعل مع الأحداث والتأثير فيها وتوجيهها بما يرضي الله سبحانه ومصلحة مجتمعه بعيدًا عن السلوك الانهزاميّ الذي غرق من قبل في وحوله وآثامه.
فها هي نداءات التوبة على أعتاب شهر رمضان المبارك تفتح أبوابها، بل أحضانها لتستقبل أفواج المنيبين، وقوافل المنتبهين من غفلتهم الذين عقدوا العزم بجدّ وإصرار على التخلّص من أدران الماضي، وليفتحوا بذلك حاضرًا ويواصلوه بمستقبل جديد يحمل كلّ معاني الاستغفار وارتداء أثواب الإيمان الناصع الذي يدعو الإنسان المسلم بكلّ تعقّل إلى أن يمدّ يده نحومنا مبادئ إسلامه، ذلك لأنّ الإسلام بتعاليمه يبني الإنسان بروح إيجابيّة يقظة، ويخلقه خلقًا آخر، وينمِّي فيه القدرة على الإنتاج والإبداع؛ ليعيده ناضجًا سويًّا حيث يهتف في الأسماع، ويرسم على شغاف الأفئدة قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران:133.
إنّ طريق العودة إلى الجذور الضاربة من تخوم الأرض حتى عنان السماء طريق سهل، وواضح المعالم، ويبدأ أولاً من نقطة الوعي بالذّات!
فإذا وعى الإنسان ذاته بإيجابيّة عرف معالم الطريق الذي ينجيه من مغبّة ما تسوّله له نفسه حيث ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ الإنسان:3.
فإذا وعي الإنسان ذّاته بمعرفته مشاعره، ومعتقداته، واتجاهاته في اللّحظة الرّاهنة بحيث تستخدم هذه المعرفة كدليل في اتخاذ القرار وحلّ المشكلات، ومراقبة دوافعه، واتجاهاته، وتخيلاته، وأفكاره بشكل واعٍ استطاع أنْ يبني أولى خطواته في الاتجاه الصحيح، ليأتي بعد ذلك نحو تنظيم تلك الذّات التي وعاها، فتصبح لديه القدرة على التّحكم بانفعالاته السلبيّة وكبح جماحها، ليحولها بعدئذٍ إلى انفعالات إيجابيّة من خلال تهدئة نفسه المعذّبة التي طالما حلّقت في أجواء لا يحلّ لأمثالها أنْ تكون فيها، فتصل إلى استثارة داخليّة ينتج عنها أمل العفو والرِّضا الربّانيّ، وتحوّل الماضي المؤلم إلى وقود نحو العودة إلى الأصالة والهداية بعين ملؤها البصيرة، لترفل وتنعم في مخمليّة هذا الوجود الإلهيّ على قاعدة راسية واعية: (اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدًا).


م ن ق و ل


تــــحـــــيــــــاتــــــي
دمـوع قـمـر :9adef1cd514f6d29f73

ج ــارة القمر
08-22-2008, 01:53 PM
عجبني الموضووووع

سلمت الاختياار

روووعه


يعطيج العافيه